ابن عجيبة

547

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

هذه الحال ، كنتم تخفون إسلامكم خوفا من قومكم ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالعز والنصر والاشتهار ، فَتَبَيَّنُوا وتثبتوا ولا تعجلوا ، وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم ، حيث حفظكم وعصمكم ، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنا بأنهم إنما دخلوا فيه اتقاء وخوفا ، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل مؤمن ، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر . ثم هدّدهم بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً مطلعا على قصدكم ، فلا تتهافتوا في القتل ، واحتاطوا فيه . روى أن سرية لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا ، وبقي مرداس ثقة بإسلامه ، لأنه كان مسلما وحده ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل « 1 » ، وصعد عليه ، فلما تلاحقوا وكبّروا ، كبّر ونزل يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم ، فقتله أسامة ، واستاق غنمه ، فنزلت الآية . فلما أخبر - عليه الصلاة والسلام - وجد وجدا شديدا ، وقال لأسامة : « كيف بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ! » قالها ثلاثا ، حتى قال أسامة : ليتني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر له بعد ، وقال له : « أعتق رقبة » ، وقيل : نزلت في المقداد ، مرّ برجل في غنمه فأراد قتله ، فقال : لا إله إلا الله ، فقتله وظفر بأهله وماله ، وقيل : القاتل : محلّم بن جثامة ، والمقتول : عامر بن الأضبط . والله تعالى أعلم . الإشارة : يستفاد من الآية : الترغيب في خصلتين ممدوحتين وخصوصا عند الصوفية : الأولى : التأنى في الأمور والرزانة والطمأنينة ، وعدم العجلة والخفة والطيش . وفي الحديث : « من تأنّى أصاب أو كاد ، ومن استعجل أخطأ أو كاد » . ولا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ، ويفهم عن الله أنه مراد الله في ذلك الوقت . والثانية : حسن الظن بعباد اللّه كافة ، واعتقاد الخير فيهم ، وعدم البحث عما اشتمل عليه بواطنهم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « أمرت أن أحكم بالظواهر واللّه يتولى السرائر » « 2 » وقال لأسامة : « هلا شققت عن قلبه » ، حين قتل من قال : لا إله إلا الله ، أو لغيره . وفي الحديث : « خصلتان ليس فوقهما شئ من الخير : حسن الظن بالله ، وحسن الظنّ بعباد الله ، وخصلتان ليس فوقهما من الشر شئ : سوء الظن بالله ، وسوء الظن بعباد الله » . والله تعالى أعلم .

--> ( 1 ) أي : منعطف من الجبل . ( 2 ) لم يرد بهذا اللفظ . راجع كشف الخفا 1 / 221 والمقاصد الحسنة / 91 .